ذريعة ملاحقة “الشبيحة” تكشف هشاشة القبضة الأمنية في سوريا

أفادت مصادر محلية متطابقة برصد موجة تصعيد أمني وتحريضي واسعة النطاق اجتاحت عدة محافظات سورية خلال الأيام القليلة الماضية، تمثلت في توزيع مناشير ورقية وبث رسائل تهديد علنية تستهدف الوجود الديمغرافي للأقليات الدينية والعرقية، وتترافق مع قرارات إدارية تحمل صبغة إقصائية واضحة. ورصدت التقارير الإعلامية منشورات تحريضية تم تداولها في أحياء العاصمة دمشق (المزة 86، السومرية، جبل الورد، وحي الورود)، تتوعد من وصفتهم بـ”الشبيحة” بعمليات تصفية جسدية مستخدمة رموزاً تعبيرية صريحة للذبح بالسكاكين، بالتزامن مع إشادات مبطنة بتحركات خلايا في مناطق القلمون والغوطة وحي الميدان. وفي السياق ذاته، عثر سكان مدينة اللاذقية الساحلية على قصاصات ورقية أُلقيت في الشوارع تحت عنوان “التحذير الأخير”، تطالب عائلات معينة بالمغادرة الفورية أو انتظار الحساب، معلنة حظر التجوال عليهم في شوارع المدينة.
ولم تتوقف المؤشرات عند حدود التهديد اللفظي؛ إذ أكدت مصادر ميدانية في ريف حمص قيام مجموعات تابعة لسلطة الأمر الواقع بهدم مسجد وحسينية قرية “الركة” التابعة للطائفة الشيعية وتسويتهما بالأرض.
وفي القطاع الاقتصادي، كشفت مصادر مطلعة داخل مصفاة بانياس عن إنهاء عقود 223 عاملاً بشكل فجائي، ينتمي غالبيتهم الساحقة إلى الطائفة العلوية، واستبدالهم على الفور بموظفين موالين للمنظومة الجديدة المنحدرين من خلفيات محددة، مع منحهم رواتب ومزايا مالية تصل إلى أربعة أضعاف ما كان يتقاضاه العمال المسرحون، مما يؤكد بحسب مراقبين أن الخطوة لم تكن ناتجة عن فائض في القوة العاملة بل تندرج في إطار التغيير الهيكلي والوظيفي الممنهج.
ويرى مراقبون سياسيون أن هذه التحركات، وإن جرت محاولة تسويقها إعلامياً وشعبياً تحت لافتة “اجتثاث رموز ومحاسبة رجال النظام السابق”، إلا أن وقائعها تعكس نهجاً تكفيرياً إقصائياً يركز بوضوح على استهداف الأقليات وعزلها. وتلفت القراءة التحليلية للمشهد إلى مفارقة سياسية وتاريخية كبرى؛ وهي أن بنية النظام الحاكم السابق كانت تتشكل في أكثر من 80% من مفاصلها الإدارية والعسكرية من أبناء المكون السني، مما يسقط الذريعة السياسية للحملة الحالية ويثبت طبيعتها الطائفية الموجهة. وتتزعم هذا الخطاب التعبوي في الوقت الراهن شخصيات متطرفة، في مقدمتها عبد الرزاق المهدي، الذي يقود حملة تحريض واسعة النطاق تسببت في إشاعة حالة من الذعر والتوتر العام، ودفعت بالعديد من العائلات إلى التفكير بالنزوح القسري خوفاً من القتل والاعتداءات.
ووفقاً لخبراء في الشأن السوري، فإن الخطورة الأكبر تكمن اليوم في تداخل الجغرافيا المعقد بريف حماه وريف حمص، حيث تتجاور بلدات وقرى سنية وعلوية ومسيحية، فضلاً عن المدن الساحلية والجيوب السكانية بدمشق، مما يجعل أي انفجار أمني بمثابة فتيل لحرب أهلية محلية. والمثير للاهتمام أن موجة التحريض والاضطراب لم توفر حتى المناطق ذات اللون الاجتماعي الواحد في حلب وإدلب، وهو ما يفسره محللون بوجود صراع داخلي عميق (سني – سني) بين أجنحة المنظومة الحاكمة؛ حيث تسعى تيارات سلفية متشددة إلى إظهار قيادة دمشق الحالية بمظهر العاجز عن ضبط الشارع وحفظ الاستقرار، وإرسال رسائل مبطنة ومباشرة للجولاني تؤكد أنه لا يزال محكوماً بنفوذ الشيوخ السلفيين الذين يمسكون بزمام التوجيه الفكري والمكاسب الميدانية، ولا يمكنه الفكاك من عباءتهم أو تقديم نفسه للمجتمع الدولي والمنطقة كرئيس دولة مؤسساتية، بل سيبقى في نظرهم مجرد قائد لـ”فصيل” يخضع لإملاءات التيار المتشدد الذي يدير المشهد من خلف الستار.



